الشيخ محمد رشيد رضا
387
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وجملة القول إن الطعام والشراب ضرورة بشرية حيوانية ، ولكن ضل فيها فريقان من البشر في كل أمة من الأمم - فريق البخلاء والغلاة في الدين الذين يتركون الاكل والشرب من الطيبات المستلذة النافعة بخلا وشحا ، أو يحرمونها على أنفسهم تحريما دائما أو في أيام أو اشهر مخصوصة تبا إلى اللّه تعالى تعذيب النفس واضعاف الجسم - وفريق المترفين المسرفين في اللذات البدنية الذين جعلوا جل همهم من حياتهم التمتع باللذات ، فهم يأكلون ويتمتعون كما تتمتع الانعام ، بل هم أضل منها في تمتعهم ، لأنها تقف عند حاجة فطرتها دونهم ، فلا تعدوا فيها داعية غريرتها التي تحفظ بها حياتها الفردية والنوعية ، واما المترفون من الناس فإنهم يسرفون في ذلك فيأكلون قبل تحقق الجوع ويشربون على غير طمأ ، ويتجاوزون قدر الحاجة في الاكل والشرب كما يتجاوزونه في غيرهما ، ويستعينون على ذلك بالتوابل والمحرضات للشهوة فيصابون من جراء ذلك بتمدد المعدة ، وسوء الهضم وفساد الأمعاء من التخمة ، وكثرة الفضلات في الجسم التي تحدث تصلب الشرايين المعجل بالهرم ، وغير ذلك من الأمراض ، كما هو شأنهم في شهوة داعية النسل التي بينا ضرر الانهماك والاسراف فيها يبا في الكلام على مسألة ستر السوأتين حتى فيما بين الزوجين ، وفي مواضع أخرى . لأجل هذا قيد الامر في الاكل والشرب من الطيبات بالنهي عن الاسراف كما قيده في زينة اللباس هذا وإن الاقتصاد في المعيشة قد وضعت له قواعد وأصول ، فرعت منها مسائل وفروع ، فيحسن الاستنارة بها وبعلم تدبير المنزل على اجتناب ما حظره الشرع من الاسراف والتبذير والبخل والتقتير ، واتباع ما حث عليه ورغب فيه من القصد والاعتدال في النفقات والصدقات ، وقد ذكرنا بعض الآيات والأحاديث في ذلك في تفسير قوله تعالى أول سورة النساء ( 4 : 4 وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً ) « 1 » * * * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ حرمت العرب في جاهليتها زينة اللباس في الطواف تعبدا وبة ، وحرم بعضهم اكل بعض الطيبات من الادهان وغيرها في حال الاحرام بالحج كذلك ، وحرموا من الحرث والانعام ، ما بينه تعالى في سورة الأنعام ، وحرم غيرهم
--> ( 1 ) راجع ص 381 ج 4 تفسير